السعيد شنوقة
130
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الدين لأنه القانون الذي تستند إليه السنة والإجماع والقياس بعد أدلة العقل « 1 » . فالعقل أصل الشرع تتوقف صحته عليه ، ولا يستدل على توحيد الله سبحانه ، وعدله عندهم بالكتاب وبالسنة وبالإجماع ، وإنما يستدلون عليهما بالعقل إذ لا يعرف الله تعالى إلا بالعقل ، ولا يستدل عندهم بالقرآن الكريم على ما يدل عليه من معان إلا بعد معرفة أن قائله صادق في أخباره ، لا يكذب ولا يجوز عليه الكذب ويتوقف هذا على كونه عدلا حكيما لا يفعل القبيح وهذا بدوره مبني على معرفة كونه عالما بقبح القبيح مستغن عنه ، فلا يجوز الاستدلال على هذه الأصول الاعتقادية به ، لأنه فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله . ولا يستدل بالسنة النبوية عند المعتزلة أيضا إلا بعد ثبوتها سنة رسول عدل حكيم ، ولا بالإجماع لأنه إما أن يستند إلى القرآن الكريم باعتباره حجة أو إلى السنة . وهما فرعان عن معرفة الله عز وجل « 2 » . ولكن ثمة أمور سمعية لا يتوقف الدليل فيها على العقل بل على السمع مثل كيفية العبادات والثواب والعقاب « 3 » . ولا بد أن توضّح أن أسبقية الدليل العقلي على الدليل الشرعي ( السمعي ) عند المعتزلة باعتبار الأول أصلا ، والثاني فرعا لا يوحي بالتعارض لأنهم عدّوا الشريعة توكيدا لما في العقول وقالوا ليست وحدها الدليل على وحدانية الله وعدله وسائر الأحكام العقلية . قال القاضي عبد الجبار : « إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكدا لما في العقول . فأما أن يكون دليلا بنفسه يمكن الاستدلال به ابتداء فمحال » « 4 » . ولا تفيد الدلائل النقلية ( السمعية ) عند المعتزلة اليقين لأنّ إفادتها تتوقف على العلم بالوضع أي بوضع الألفاظ التي نقلت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم إزاء معان مخصوصة ، وكذلك على الإرادة « 5 » أي العلم بأن المعاني مرادة له ، إذ العلم بوضع الألفاظ
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص ، 450 ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص ، 41 ( 3 ) انظر القاضي عبد الجبار ، المغني في أبواب التوحيد والعدل ، حقق بإشراف طه حسين وإبراهيم مذكور ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، مصر 1960 ، 1965 ، ج 15 ، ص ، 27 . ( 4 ) م ن ، ج 4 ، ص 174 ، 175 وكذا ج 16 ، ص 354 ، وانظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص ، 59 ( 5 ) فعل الإرادة اعتقاد النفع أو ظنه وميل يتبع ذلك بعد اعتقادنا أنّ الفعل الفلاني فيه جلب نفع أو ضر ميلا إليه . وهو مغاير للعلم . انظر الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص ، 148 ود . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص ، 196